محمد متولي الشعراوي

424

تفسير الشعراوي

لا يقبل أحد على إحصائها . . وإذا سمعت كلمة « أَيَّاماً مَعْدُودَةً » فأعلم انها أيام قليلة . . ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ( من الآية 20 سورة يوسف ) قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . . دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة . . ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من اللّه في قوله سبحانه : « قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ » أي إذا كان ذلك وعدا من اللّه ، فاللّه لا يخلف وعده . واللّه يأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل اللّه سبحانه وتعالى بكم . . بل هو جل جلاله الذي يحكم . . فإن كان قد أعطاكم عهدا فاللّه لا يخلف وعده . وقوله تعالى : « أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » . . هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على اللّه أو أتكذبون على اللّه . . أو أتختلقون على اللّه ما لم يقله . . قال : « أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق . . إنه أول من يعلم كذب ما يقول ، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه ، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه . . ولذلك فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلىّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ) « 1 » . إذن مختلق الشئ يعرف إن هذا الشئ مختلق . وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم . . « لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً » قول مختلق . . ولكن لمن يقولون على اللّه ما هو افتراء وكذب ؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب .

--> ( 1 ) ( رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم )